‏إظهار الرسائل ذات التسميات قانونيات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قانونيات. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، سبتمبر 13، 2017

محكمان في النار ومحكم في الجنة


صدر في عام 1433هـ نظام التحكيم السعودي الجديد بالمرسوم الملكي رقم (م/34) وتاريخ 24/5/1433هـ، والذي جاء بأحكام ومبادئ لم تكن مألوفة لدى المشتغلين في حقل  التحكيم قبل صدور النظام الجديد، وفي مقالتي هذه أود تسليط الضوء على طبيعة عمل المحكم وفقاً لهذا النظام ومدى خطورته على المُحكِم نفسه.
 وبدايةً، فإذا كان التحكيم في العصر الراهن قد اكتسى أهمية كبيرة عن ذي قبل، ولاقى رواجًا وأصبح ملاذًا لأطراف النزاع لما فيه من خصائص ومزايا من شأنها تحقيق أهداف وغايات أطراف النزاع في إنهاء الخصومة، فقد ترتب على إثر ذلك انتشار ثقافة التحكيم بين الأشخاص والتي باتت تتزايد يوماً بعد يوم. وعلى وجه الخصوص بتنا  نُلاحظ التوسع المطرد الذي يلقاه التحكيم المؤسسي خاصة بعد إنشاء المركز السعودي للتحكيم التجاري، بالإضافة إلى اهتمام بعض الأشخاص  بتقديم خدمة التحكيم الحُر.
 وتأكيدًا وتعزيزًا لهذا التوجه لم يشترط نظام التحكيم في المحكم ما يشترط في القاضي، إذ أنه أكتفى بكمال الأهلية وحسن السيرة والسلوك، واشترط الكفاءة العلمية سواءً أكانت شرعية أم نظامية في حال كان المحكم رئيساً لهيئة التحكيم.
وإلى جانب ما سبق ذكره، فلا زلنا نلاحظ انتشار دورات التحكيم، واهتمام بعض المراكز بتقديم الدورات ومنح رخص التحكيم، واتجاه كثير من المحامين نحو المحاكم لتقديم أنفسهم للإشتراك في تكوين هيئة التحكيم. وهذا التوجه لاشك في أنه توجه محمود، إلا أنني أود في مقالتي هذه توضيح أمرين في غاية الأهمية. أولهما، إن طبيعة عمل المُحكِم في أداء مهامه أثناء النظر في إجراءات التحكيم لا تختلف عن مهام القاضي، لأن الأخير هو شخص يختص بالفصل في نزاع قائم بين خصمين أو أكثر بحكمٍ ملزمٍ، ولا ريب في أن المحكم يستمد إختصاصه إبتداءً من أطراف النزاع ليتمكن من النظر والحكم في الدعوى التحكيمية، إلا أن طبيعة عمله طبيعة قضائية شأنه في ذلك شأن القضاة في المحاكم، حيث إن ما يصدره من قرارات تكون نهائية ومنهية للخصومة وتكتسب حجية الأمر المقضي به ولا يجوز بموجبها إعادة طرح موضوع النزاع تارة أخرى للفصل فيه.
لذلك، يجب أن نتفق بأن المحكم هو قاضي، ويسري عليه شرعاً ما يسري على القاضي، وإن كان نظام التحكيم لا يشترط في المحكم ما يشترط في القاضي، فإن هذا المسلك من المُنظم السعودي أظنه من باب التخفيف ولا يغير من طبيعة عمل المحكم القضائية ألبتة.
والأمر الثاني، فهو يُعنى بالرجوع إلى واقع التحكيم في المملكة وغيرها من الدول، إذ نجد البعض يظن أنه بمجرد الاشتراك في دورة تدريبية في مجال التحكيم قد أصبح محكماً، وبعضهم يزيد في ذلك بإضافة عبارة "محكم دولي معتمد" مما يوهم القارئ بأنه يمتلك الكفاءة الكافية للنظر في منازعات التحكيم، داخلية كانت أم دولية.
وهذا الفهم يجانب الصواب، لأنه لو أخذنا بهذا التوجه لأكتفى القاضي بدراسة مادة الإجراءات الشرعية ليصبح مؤهلاً للنظر في أي نزاع. ولكن حقيقة التحكيم تكشف لنا أنه ليس نظام إجرائي فقط، فالعلم بالإجراءات لا يعني العلم بوقائع النزاع والنصوص الشرعية والنظامية الموضوعية واجبة التطبيق على النزاع، فهذا علمُ قائم بذاته. ومن ثَمَّ، يجب على المحكم  أن يمتلك الروح القضائية في طريقة فهم الوقائع وتسبيب الأحكام وترجيح الأدلة، وعليه أن يكون كذلك مؤهلاً تأهيلاً كافياً للنظر في موضوع النزاع، سواءً أكان نزاعاً تجارياً أم هندسياً أم في مجال المعاملات المصرفية.

وبالتالي فليس صحيحًا ما قد يظنه البعض أنه يكفي الإحاطة بأحكام نظام التحكيم السعودي لأن يصبح الشخص محكمًا.

ولما كان المحكم قاضيا، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "القُضاة ثَلاثة : قَاضِيان في النار ، وقاضٍ في الجَنَّة ، قَاضٍ عَرَف الحقَّ فَقَضَى به فهُو في الجَنَّة ، وقاضٍ عَلِم الحَقَّ فجَارَ مُتعمِّدًا فذَلِك في النار ، وقَاضٍ قَضَى بغَيْر عِلْم واسْتَحْيا أن يَقول : إنِّي لا أَعلَم فهُو في النَّار".

لذلك أنصح كل من أراد أن يدخل في عالم التحكيم بأن يتقي الله عز وجل وأن يكون عالماً بما يقضي به، وألا يقضي بجهل لأنه لا يجوز له أن يقضي بغير علم وإن أصاب الحق!

وأخيراً، أستعير بعضاً من كلمة الشيخ الشعراوي أمام الرئيس السابق محمد حسني مبارك، فأنا أنصح كل من يجول برأسه أن يكون محكماً، أنصحه بأن لا تطلبه، بل يجب أن تُطلب له، فإن رسول الله قال، من طُلب إلى شئٍ أعين عليه، ومن طَلب شيئاً وُكل إليه.

الأربعاء، مايو 31، 2017

اللائحة التنفيذية لنظام التحكيم السعودي الجديد


رأس خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود – حفظه الله – الجلسة، التي عقدها مجلس الوزراء، بعد ظهر اليوم الاثنين 26 شعبان 1438هـ الموافق 22/5/2017م، في قصر اليمامة بمدينة الرياض وجاء في الفقرة سابعاً : بعد الاطلاع على ما رفعه معالي وزير العدل، وبعد الاطلاع على التوصية المعدة في مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية رقم ( 16 ـ 46 / 38 / د ) وتاريخ 16 / 7 / 1438هـ، قرر مجلس الوزراء الموافقة على اللائحة التنفيذية لنظام التحكيم الصادر بالمرسوم الملكي رقم ( م / 34 ) وتاريخ 24 / 5 / 1433هـ .

نصوص اللائحة التنفيذية لنظام التحكيم


الأربعاء، ديسمبر 28، 2016

مرجعية أحكام الشريعة الإسلامية في تنفيذ حكم التحكيم


نص المنظم السعودي في المادة (55/2/ب) من نظام التحكيم الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/34) وتاريخ 24/5/1433هـ على وجوب عدم مخالفة حكم التحكيم المراد تنفيذه لأحكام الشريعة الإسلامية والنظام العام بالمملكة، وقد تبنى المنظم السعودي نظرية تجزئة البطلان إذ يلغى الجزء المخالف لأحكام الشريعة الإسلامية والنظام العام بالمملكة ما أمكن، ويأمر بتنفيذ الجزء غير المخالف.

وتثور الصعوبة العملية في تحديد المرجعية لتحديد أحكام الشريعة الإسلامية، وقد تطرق الفقه الدستوري السعودي لمبدأ مرجعية الشريعة الإسلامية عند تناوله أحكام النظام الأساسي للحكم في المملكة،([1]) إلا أن الإشكالية في التطبيق العملي هي في تحديد الجهة المنوط بها تحديد أحكام الشريعة الإسلامية، فعلى الصعيد الدستوري نجد أن المادة (45) من النظام الأساسي للحكم قد نصت على أن : "مصدر الإفتاء في المملكة العربية السعودية، كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويبين النظام ترتيب هيئة كبار العلماء، وإدارة البحوث العلمية والإفتاء واختصاصاتها". وقد صدر الأمر الملكي الأمر الملكي رقم (أ/137) وتاريخ 8/7/1391 هـ المعني بتنظيم هيئة كبار العلماء. ([2]) كما ورد في لائحة سير عمل الهيئة واللجنة الدائمة المتفرعة عنها آلية عملها ونصابها النظامي للإنعقاد والإفتاء.

ونلحظ أن هيئة كبار العلماء على الرغم من النص عليها صراحةً في النظام الأساسي للحكم إلا أن عملها وفقاً لنظامها ينحصر في إبداء الرأي فيما يحال إليها من ولي الأمر من أجل بحثه وتكوين الرأي المستند إلى الأدلة الشرعية فيه.([3])

وبالرجوع إلى نظام القضاء لعام 1428ه نجد أن المادة (11) أناطت بالمحكمة العليا اختصاص مراقبة سلامة تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية وما يصدره ولي الأمر من أنظمة لا تتعارض معها، وقد يرى البعض أن المحكمة العليا هي الجهة المخولة بتحديد مرجعية أحكام الشريعة الإسلامية. إلا أن هذا التوجه غير دقيق كون حجية أحكام المحكمة العليا نسبية تقتصر على أطرافها بعكس أحكام المحكمة الإدارية في دعوى الإلغاء الأمر الذي يفقدها مزية العمومية والتجريد في التطبيق.([4])

وبالرجوع إلى المادة (13/2) من نظام القضاء نجد أنها تنص على أنه: "تتولى الهيئة العامة للمحكمة ما يلي: تقرير مبادئ عامة في المسائل المتعلقة بالقضاء، النظر في المسائل التي ينص هذا النظام – أو غيره من الأنظمة – على نظرها من الهيئة". كما ورد في المادة (14) من نظام القضاء ما نصه: "إذا رأت إحدى دوائر المحكمة العليا – شأن قضية تنظرها – العدول عن مبدأ سبق أن أخذت به أو أخذت به دائرة أخرى في المحكمة نفسها في قضايا سابقة، أو رأت إحدى دوائر محكمة الإستئناف العدول عن مبدأ سبق أن أخذت به إحدى دوائر المحكمة العليا في قضايا سابقة، فيرفع الأمر إلى رئيس المحكمة العليا لإحالته إلى الهيئة العامة للمحكمة العليا للفصل فيه". 

وبإمعان النظر في المادة سالفة الذكر تتضح الرؤيا حول الجهة المنوط بها تحديد مرجعية أحكام الشريعة الإسلامية وهي الهيئة العامة للمحكمة العليا من خلال المبادئ العامة التي تقررها. وتتميز المبادئ القضائية عن الأحكام القضائية بتجريدها ودقة ألفاظها وحسن اختيارها، كما تتسم بالإيجاز.([5]) فشأنها شأن القاعدة القانونية من حيث العمومية والتجريد. ومن جهة أخرى فإن المبادئ القضائية في الحقيقة هي صورة من صور الاجتهاد الجماعي، إذ المبدأ القضائي نتاج اجتهاد من المحكمة العليا، وهي التي تتولى صياغته وتعميمه، فما هو إلا إجتهاد جماعي.([6]) ويعرف المبدأ القضائي بأنه: "قرار قضائي ملزم كلي ينطبق على وقائع متعددة، صادر من جهة مختصة في حدود اختصاصها".([7])

وتأسيساً على ما سبق، يتضح أن معيار مخالفة حكم التحكيم لأحكام الشريعة الإسلامية يتحدد وفقاً لمبادئ الهيئة العامة في المحكمة العليا، حيث إن الهيئة العامة أنشئت لأداء دورها في توحيد المبادئ الشرعية والنظامية، فاختصاصها في تقرير المبادئ العامة في المسائل المتعلقة بالقضاء ما هو إلا توحيد الاجتهاد في المسائل الإجتهادية وتوحيد الرأي في المسائل الفقهية الخلافية.([8]) وينطبق هذا الحكم على أحكام التحكيم التي تقدم إلى المحكمة المختصة سواءً أكانت تجارية أم عمالية أم مدنية، بينما تختص الهيئة العامة للمحكمة الإدارية العليا بموجب المادة (10/4) بهذا الدور بشأن المنازعات الإدارية.



[1] راجع موقف الفقه الدستوري السعودي عند، محمد نسيب أرزقي وآخرون، القانون الدستوري السعودي، مكتبة القانون والاقتصاد – الرياض، الطبعة الأولى 2011، ص315 وما بعدها. خالد بن عبد الله الشافي، مبادئ النظام الدستوري في المملكة العربية السعودية، مطبعة سفير – الرياض، الطبعة الأولى 2012م، ص129 وما بعدها. أحمد بن عبد الله بن باز، النظامي السياسي والدستوري للمملكة العربية السعودية، مطابع الحميضي – الرياض، الطبعة الرابعة 2012م، ص166 وما بعدها. محمد بن حسن القحطاني، النظام الدستوري للمملكة العربية السعودية، بدون دار نشر، الطبعة الأولى 2011م، ص57 وما بعدها.
[2] المنشور في جريدة أم القرى العدد  2387 في 13/7/1391هـ.
[3] الفقرة (ثالثاً/أ) من نظام هيئة كبار العلماء.
[4] أنظر المادة (32) من نظام المرافعات أمام ديوان المظالم حيث تنص على أن: "الأحكام الصادرة بالإلغاء حجة على الكافة".
[5] منصور بن محمد بن عبد الرحمن الشبيب، ملخص لرسالة المبادئ القضائية في محاكم المملكة العربية السعودية، رسالة دكتوراه، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1435هـ، ص8.
[6] أحمد بن عبد العزيز الصقيه، مقال بعنوان (مرافعة المبادئ القضائية) – جريدة الحياة، عدد يوم السبت 27 سبتمبر 2014م.
[7] منصور بن محمد بن عبد الرحمن الشبيب، مرجع سابق، ص8.
[8] راجع مزيداً في ذلك عند أحمد صالح مخلوف، الوسيط في شرح التنظيم القضائي الجديد بالمملكة العربية السعودية، معهد الإدارة العامة – مركز البحوث، 2013م، ص 71 وما بعدها.

الاثنين، نوفمبر 28، 2016

رئيس هيئة التحكيم والمحكم المرجح




شاع استخدام مصطلح "المحكم المرجح" عندما تكون هيئة التحكيم مشكلة من أكثر من محكم كأن تكون هيئة ثلاثية أو خماسية، وبالرجوع إلى التطبيق العملي نجد أن أطراف التحكيم يلجؤون إلى المحكمة في حال عدم اتفاقهم على تسمية رئيس هيئة التحكيم، وبإستقراء أحكام محاكم الاستئناف نجدها تستخدم مصطلح المحكم المرجح عند تسمية رئيس هيئة التحكيم، وفي هذا المقال نبحث عن مدى صحة استخدام هذا المصطلح وما هي الحالات النظامية لاستخدامه وفقاً لنظام التحكيم السعودي.

إبتداءً، تتكون هيئة التحكيم الثلاثية تتكون من محكمين ورئيس، وقد تكفل الباب الثالث من نظام التحكيم ببيان أحكام تشكيل هيئة التحكيم، وبالرجوع إلى النصوص الواردة في الباب الثالث  (المواد 13–24) نجد أنها لم تشر إلى المحكم المرجح البتة، وإنما نظمت أحكام هيئة التحكيم من حيث العدد والكفاءة وآلية التشكيل في حال عدم الاتفاق وكذلك إجراءات رد المحكم وغيرها من الإجراءات الشكلية.

وعند قراءة النظام بشكل متكامل نجد أن مصطلح "المحكم المرجح" يظهر في الفقرة (2) من المادة (39) التي تنص على: "إذا تشعبت آراء هيئة التحكيم ولم يكن ممكناً حصول الأغلبية فلهيئة التحكيم اختيار محكم مرجح خلال (15) يوماً من قرارها بعدم إمكان حصول الأغلبية وإلا عينت المحكمة المختصة محكماً مرجحاً".

وبذلك يتضح جلياً أن المحكم المرجح لا يظهر في إجراءات التحكيم إلا في حالة واحدة، وهي حالة تشعب آراء هيئة التحكيم وعدم إمكان حصول الأغلبية، ففي هذه الحالة أجاز النظام لهيئة التحكيم اختيار محكم مرجح، وقد واجه نظام التحكيم السعودي هذه الحالة من خلال وجوب صدور قرار من هيئة التحكيم بعدم إمكان حصول الأغلبية، ومنحها سلطة تعيين المحكم المرجح خلال مدة (15) يوماً من تاريخ هذا القرار. وبمجرد مرور مدة (15) يوماً فإن الأثر النظامي هو أن تنتقل صلاحية تعيين المحكم المرجح من هيئة التحكيم وتصبح بيد المحكمة المختصة أصلاً بنظر النزاع. وبمعنى آخر، قد تتم إجراءات التحكيم دون الحاجة إلى الإستعانة بالمحكم المرجح طالما أن هيئة التحكيم قد اتخذت قرارها بالأغلبية أو بالإجماع.


وتأسيساً على ما سبق، فإن مصطلح المحكم المرجح ليس مرادفاً لمصطلح رئيس هيئة التحكيم، فرئيس هيئة التحكيم هو الذي يرأس هيئة التحكيم منذ تشكيلها حتى إنتهاء مهامها، أما المحكم المرجح فهو من ينضم إلى هيئة التحكيم لحل إشكالية عدم الحصول على أغلبية آراء هيئة التحكيم -إن وجدت-.

الأربعاء، نوفمبر 09، 2016

مآل هيئة التحكيم بعد صدور حكم التحكيم





مآل هيئة التحكيم بعد صدور حكم التحكيم
وفقاً لنظام التحكيم السعودي

صدر نظام التحكيم السعودي الجديد في العام 1433هـ، ودخل حيز التنفيذ اعتباراً من يوم الأثنين 19 شعبان 1433هـ. ولغاية الآن طبق النظام لمدة تنيف عن أربعة سنوات، وخلال تطبيق النظام الجديد واجهنا بعض الإشكاليات العملية والتي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتفسير بعض مواد هذا النظام، ويقتصر حديثنا في هذا المقال على تفسير الفقرة (3) من المادة (41) من نظام التحكيم السعودي التي نصت على:"مع مُراعاة أحكام المواد (التاسعة والأربعين) (والخمسين) (والحاديّة والخمسين) من هذا النظام، تنتهي مهمة هيئة التَحكيم بانتهاء إجراءات التحكيم".

ويُلاحظ على النص سالف الذكر أن تنتهي مهمة هيئة التحكيم بإنتهاء إجراءات التحكيم المحددة في الفقرة (1) من المادة (41). وقد راعى المشرع ما قد يصيب حكم التحكيم من قصور بسبب هيئة التحكيم وقرر إستمرار مهام هيئة التحكيم. وبالرجوع إلى المواد التي يجب مراعاتها نجد أن المنظم يشير إلى المواد (49) و (50) و (51). وبإستقراء نصوص المواد المشار إليها نجد أنها لا تتطرق إلى مهام هيئة التحكيم لا من قريب ولا بعيد وإنما تنظم هذه المواد أحكام وإجراءات بطلان حكم التحكيم.

والتساؤل المُثار: ما هي المهام التي من الممكن أن تقوم بها هيئة التحكيم على الرغم من إنتهاء إجراءات التحكيم؟


وبالإمكان الإجابة على ذلك أنه من المتصور أن تقوم هيئة التحكيم بمهام إضافية أوجبها نظام التحكيم السعودي حتى وإن انتهت إجراءات التحكيم، فقد يشوب حكم التحكيم غموض يتطلب تفسيره، أو خطأ مادي يجب تعديله، أو في حال غفل حكم التحكيم عن طلبات قُدمت خلال إجراءات التحكيم ويتطلب من هيئة التحكيم إصدار حكم تكميلي لها. وقد أوجب نظام التحكيم السعودي على هيئة التحكيم القيام بهذه المهام الإضافية على الرغم من إنتهاء إجراءت التحكيم وإنتهاء مهمة هيئة التحكيم. ونورد المواد النظامية التي ترسخ لهذا المفهوم وتعززه على النحو الآتي:

المادّة السادسّة والأربعون:
1-     يجوز لكل واحدٍ من طرفيّ التَحكيم أن يُطلب من هيئة التَحكيم خلال الثلاثين يومًا التاليّة لتسلُّمه حُكم التَحكيم تفسير ما وقع في مَنطوقه من غموض. ويجب على طالب التفسير إبلاغ الطرف الآخر على عُنوانه المُوضّح في حُكم التَحكيم بهذا الطلب قبل تقديمه لهيئة التحكيم.

2-     يصدر التفسير كتابةً خلال الثلاثين يومًا التاليّة لتاريخ تقديم طلب التفسير لهيئة التحكيم.

3-     يُعَدّ الحُكم الصادر بالتفسير مُتمماً لحُكم التَحكيم الذي يُفسّره وتَسري عليه أحكامه.

المادّة السابعة والأربعون:
1-     تتولى هيئة التَحكيم تصحيح ما يقع في حُكمها من أخطاءٍ ماديّةٍ بَحتةٍ كتابيّةٍ أو حسابيّةٍ، وذلك بقرار تُصدره من تِلقَاء نَفسها، أو بُناءً على طلب أحد الخصوم، وتجري هيئة التَحكيم التصحيح من غير مُرافَعةٍ خلال خمسة عشر يوماً التاليّة لتاريخ صدور الحُكم، أو لإيداع طلب التصحيح بحسب الأحوال.

2-     يصدر قرار التصحيح كتابةً من هيئة التحكيم، ويُبلّغ إلى طرفيّ التَحكيم خلال خمسة عشر يومًا من تاريخ صدوره، وإذا تجاوزت هيئة التَحكيم سلطتها في التصحيح جاز التمسّك ببُطلان هذا القرار بدعوى بُطلان تَسري عليها أحكام المادّتين (الخمسين)، (والحاديّة والخمسين) من هذا النظام.

المادّة الثامنّة والأربعون:
1- يجوز لكل من طرفيّ التَحكيم ولو بعد انتهاء ميعاد التحكيم، أن يطلب من هيئة التَحكيم خلال الثلاثين يوماً التاليّة لتسلّمه حُكم التحكيم، إصدار حُكم تحكيم إضافيّ في طلبات قُدِّمت خلال الإجراءات وأغفَلَها حُكم التحكيم. ويجب إبلاغ الطرف الآخر على عُنوانه الموضّح في حُكم التَحكيم بهذا الطلب قبل تقديمه لهيئة التحكيم.

2- تصدر هيئة التَحكيم حُكمَها خلال ستين يومًا من تاريخ تقديم الطلب، ويجوز لها مدّ هذا الميعاد ثلاثين يوماً أخرى إذا رأت ضرورة لذلك.

وحيث إن نظام التحكيم السعودي كغيره من قوانين الدول العربية ودول العالم الأخرى قد تأثر بالقانون النموذجي للتحكيم التجاري الدولي الذي أصدرته لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي عام 1985م مع تعديلاته المعتمدة في عام 2006م إلا أن المنظم السعودي أخذ كذلك العديد من أحكامه من قانون التحكيم المصري لعام 1994م، خاصة تلك الأحكام التي انفرد بها أو خالف فيها قانون التحكيم المصري القانون النموذجي الأمر الذي معه يمكن القول إن قانون التحكيم المصري يشكل مع القانون النموذجي مصدراً تاريخياً لنظام التحكيم السعودي.

ونلاحظ أن المنظم السعودي قد نسخ نص المادة (41/3) من نظام التحكيم السعودي من المادة (48/2) من قانون التحكيم المصري التي تنص على: "مع مراعاة أحكام المواد 49 و 50 و 51 من هذا القانون تنتهي مهمة التحكيم بإنتهاء إجراءات التحكيم". وبالرجوع إلى المواد المشار إليها في قانون التحكيم المصري نجد أنها تنظم المهام التي من الممكن أن تقوم بها هيئة التحكيم على الرغم من إنتهاء مهمتها وهي تفسير حكم التحكيم، وتصحيح حكم التحكيم من الأخطاء المادية البحتة، وأخيرا إصدار حكم تحكيم إضافي في طلبات قدمت خلال الإجراءات وأغفلها حكم التحكيم.

وبإستقراء نصوص القانون النموذجي نجد أن الفقرة (3) من المادة (32) تنص على: "تنتهي ولاية هيئة التحكيم بانتهاء إجراءات هيئة التحكيم مع مراعاة أحكام المادة (33) والفقرة (4) من المادة (34)". وتنظم المادة (33) من القانون النموذجي أحكام المهام التي من الممكن أن تقوم بها هيئة التحكيم على الرغم من إنتهاء مهمتها وهي تفسير حكم التحكيم، وتصحيح حكم التحكيم من الأخطاء المادية البحتة، وأخيراً إصدار حكم تحكيم إضافي في طلبات قدمت خلال الإجراءات وأغفلها حكم التحكيم فهي مطابقة لنظامنا ولقانون التحكيم المصري هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فقد أضاف القانون النموذجي حالة أخرى في الفقرة (4) من المادة (34) وهي حالة بطلان حكم التحكيم بسبب تشكيل هيئة التحكيم أو إذا كان الإجراء المتبع في التحكيم مخالفاً لاتفاق الطرفين ما لم يكن الإجراء الواجب اتباعه مخالفاً للنظام. ويتضح أن موقف القانون النموذجي يختلف عن موقف القانون المصري والنظام السعودي إذ قرر القانون النموذجي إعادة الحكم إلى هيئة التحكيم نفسها في حال كان بطلان حكم التحكيم بسبب يعود إلى هيئة التحكيم.

ولما كان ذلك كذلك، فإن التفسير السليم وفقاً للطرائق الأصولية في تفسير القوانين وبالأخذ بعين الاعتبار المصادر التاريخية لنظام التحكيم السعودي ينتهي بنا للقول إن المادة (41/3) قد اعتراها عيب من عيوب الصياغة القانونية وهو الخطأ المادي لأن المنظم كان يقصد مراعاة المواد (46) و (47) و (48) من نظام التحكيم السعودي وهي التي تنظم المهام التي من الممكن أن تقوم بها هيئة التحكيم على الرغم من إنتهاء مهمتها وذلك للأسباب الآتية:  

أولاً: إن تطبيق المواد المشار إليها في المادة (41/3) يؤدي إلى إعادة الحكم إلى هيئة التحكيم ذاتها دون نص نظامي صريح أو بإرادة أطراف التحكيم وهذا لم يقصده المنظم السعودي.

ثانياً: لم يساير المنظم السعودي القانون النموذجي في حالة إعادة حكم التحكيم إلى هيئة التحكيم إذا كان سبب البطلان يعود إلى تشكيل هيئة التحكيم أو عدم تطبيق إجراءات التحكيم المتفق عليها. حيث إن المنظم إذا أراد قال، فالقول بإعادة حكم التحكيم إلى هيئة التحكيم يجعلنا في الحقيقة نطبق القانون النموذجي ونهمل نظام التحكيم السعودي.

ثالثاً: إن المحكمة المختصة أصلاً بنظر النزاع ليست محكمة درجة ثانية بالنسبة لهيئة التحكيم، فمعلوم أن التحكيم وفقاً لنظام التحكيم السعودي يجري على درجة واحدة ولا يجوز استئناف حكم التحكيم، فحكم التحكيم يصدر قطعياً ولا يجوز الاعتراض عليه بأي طريقة من طرق الاعتراض المنصوص عليها في نظام المرافعات الشرعية. وقد أختار المنظم السعودي دعوى البطلان كبديل لطرق الإعتراض المنصوص عليها في نظام المرافعات الشرعية.

رابعاً: إن القول بإعادة حكم التحكيم إلى هيئة التحكيم يصطدم عملياً أمام حالة اتفاق أطراف النزاع في اتفاق التحكيم على انقضاء اتفاق التحكيم بمجرد صدور حكم المحكمة المختصة ببطلان حكم التحكيم. فلا يمكن بحال من الأحوال إجبار أحد الأطراف على الدخول في إجراءات تحكيم جديدة بغير إرادته.

خامساً: معلوم أن الأصل في نظام التحكيم السعودي هو استمرار اتفاق التحكيم على الرغم من صدور حكم ببطلان حكم التحكيم، وينقضي اتفاق التحكيم في حالتين وهما اتفاق اطراف التحكيم على انقضاء حكم التحكيم بمجرد صدور حكم بطلان حكم التحكيم، والحالة الثانية تتمثل في أن سبب بطلان حكم التحكيم يعود إلى إبطال اتفاق التحكيم، والقول بإستمرار اتفاق التحكيم لا يعني استمرار هيئة التحكيم بأي حال من الأحوال، وإنما يتعين على من أراد اللجوء إلى التحكيم أن يُشعر الطرف الآخر برغبته اللجوء إلى التحكيم لحل النزاع حتى نكون أمام إجراءات تحكيم جديدة.



وتأسيساً على ما سبق، فإن تطبيق المادة سالفة الذكر يؤدي إلى نتائج قانونية غير منطقية الأمر الذي يستوجب تصحيح الخطأ المادي في التطبيق العملي والمسارعة في تعديل الخطأ المادي.

الاثنين، يوليو 09، 2012

نظام التحكيم السعودي لعام 1433هـ أصبح نافذاً

دخل نظام التحكيم السعودي لعام 1433هـ (2012) حيز التنفيذ اعتباراً من اليوم الأثنين 19 شعبان 1433هـ


نشر نظام التحكيم الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/34 وتاريخ 24/5/1433هـ في الجريدة الرسمية في يوم الجمعة 18 رجب 1433هـ الموافق 8 يونيو 2012 - السنة 90 - العدد 4413 - الصفحة 5.


من خلال هذا الرابط يمكن الاطلاع أو طباعة نظام التحكيم السعودي
http://hamadaldossary.blogspot.com/2012/07/blog-post.html







مواد نظام التحكيم السعودي الجديد (1433هـ - 2012)



السبت، يناير 29، 2011

الدستور السعودي 2-2

ذكرت في الجزء الأول من هذا المقال أهم العناصر التي يجب أن يتكون منها الدستور في أي دولة، وعندما وجدنا هذه العناصر في النظام الأساسي للحكم، وهذا ما يجعلني أن اعتبره دستورا للدولة دون أن اشراك انظمة أخرى، أبين في هذا الجزء الاشكاليات لفهم النظام الأساسي وقراءته بشكل متكامل مع كافة الأنظمة في الدولة.

إشكاليات فهم النظام الأساسي للحكم

إن اختلاف تفسير نصوص النظام الأساسي للحكم يؤدي إلى اختلاف النتائج، وهذا ما حاولت أن افهمة حتى أتحقق من حقيقة الدستور السعودي، فذكرت في الجزء الأول من المقال بأن البعض يعتبر دستورنا كتاب الله وسنة رسولة، وهذا ما أود أن اتحقق منه، والاتجاه الآخر يعتبر بعض الأنظمة مجتمعة قد تكون دستور وهذا ايضا ما أود أن اتحقق منه.

المادة الأولى من النظام الأساسي

تنص المادة الأولى من النظام الأساسي السعودي : ( المملكة العربية السعودية، دولة عربية اسلامية، ذات سيادة تامة، دينها الإسلام، ودستورها كتاب الله تعالى وسنة رسولة صلى الله عليه وسلم، ولغتها هي اللغة العربية، وعاصمتها هي مدينة الرياض )

والتعليق على النص السابق انه بصراحته يقر بأن دستور الدولة كتاب الله تعالى وسنة رسولة صلى الله عليه وسلم، وهذا ما أدى إلى القول بعدم وجود دستور بالمعنى الدقيق وفقا لمبادئ القانون الدستوري.

إلا أن بعد التدقيق والبحث في جميع نصوص النظام الأساسي وجدت بأن الشريعة والسنة لا يمكن أن تكون دستور بالمعنى الدقيق، وذلك لا يعني نقصها، ولكن الدستور بالمعنى القانوني يجب أن يشتمل على مواضيع رئيسية بشكل معين حتى يمكن القول على أنها دستور، لذلك نخرج هذا الفرض.

واذا كنت أعتقد بأن كتاب الله وسنة رسولة لا يمكن اعتبارها دستورا للمملكة، فما هي القيمة من ذكرها؟

اعتقد أن الاجابة تتخلص بأن القرآن والسنة هما المعيار لشرعية كل نظام في المملكة بما فيهم النظام الأساسي للحكم، وعليه أي نظام يخالف القرآن والسنة يمكن أن نعتبره غير دستوري بالمعنى القانوني، والامر يسير وفقا للترتيب الهرمي، فالنظام العادي يجب أن يتوافق مع النظام الأساسي للحكم، والنظام الأساسي للحكم يجب أن يتوافق مع القرآن والسنة، وعليه أي نظام يخالف الشريعة يصبح في اطار عدم الدستورية. والدخول في شرح عدم دستورية الأنظمة في المملكة يحتاج إلى موضوع مستقل، ولكن لا يمنع من أن نبين بأن عدم الدستورية تتم عن طريق الامتناع عن تطبيق أي نظام مخالف للقرآن والسنة من قبل القضاء الوطني.

ويمكن أن نعتبر ذلك ميزة للنظام الأساسي للحكم على اعتبار أن لكل نظام رقيب، وفي الأنظمة المقارنة ومعظم الدساتير في الدول تجعل الدستور هو أعلى الهرم القانوني لديها، فيمكن الحديث عن عدم دستورية قانون في تلك الأنظمة المقارنة، أما الميزة في التجربة السعودية أن النظام الأساسي للحكم وهو الذي نعتبره دستورا للدولة يمكن الحكم بعدم دستورية بالكامل أو بشكل جزئي عندما يتصادم مع القرآن أو السنة.

وما يعزز ما توجهت إليه هو ما جاء في نص المادة السابعة من النظام الأساسي للحكم : ( يستمد الحكم في المملكة العربية السعودية سلطته من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله، وهما الحاكمان على هذا النظام وجميع أنظمة الدولة )

فالمادة السابعة تؤكد أن القرآن والسنة هما المعيار لجميع الأنظمة، لذلك لا ننزع صفة الدستور من النظام الأساسي للحكم، انما نؤكد وجود الدستور ونضيف إلى ذلك المعايير التي يختارها الدستور وهما القرآن والسنة.

وقد يذكر البعض بأن الدستور يجب أن يسمو على جميع الأنظمة، فهو يمتاز بمبدأ السمو، وهذا لا يصطدم بمبدأ السمو طالما أن معيار الدستورية يطال النظام العادي والنظام الأساسي، ونبقي الوضع على الهرم النظامي في المملكة بأن النظام الأساسي هو رأس الهرم النظامي.

وتأسيسا على ماسبق تكون المادة الأولى من النظام الأساسي للحكم لا تشكل عائقا قانونيا لاعتبار النظام الأساسي دستورا للدولة، إنما هي تعزز تطبيق القرآن والسنة، وتضع معيارا لشرعية النظام الأساسي للحكم وجميع الأنظمة في الدولة.

عدم شمول كلمة نظام للأنظمة الأربعة

ورد استثناء في المرسوم الملكي رقم (م/23) وتاريخ 26/8/1412هـ، ويبين بأن كلمة نظام الواردة بالمادتين التاسعة عشر والعشرين من نظام مجلس الوزراء الصادر بالمرسوم الملكي رقم (38) وتاريخ 22/10/1377هـ لا تشمل الأنظمة التالية: 1- النظام الأساسي للحكم 2- نظام مجلس الشورى 3- نظام مجلس الوزراء 4- نظام المناطق (المقاطعات).

من خلال الاستثناء يتضح بأنه جاء ليحدد من اختصاصات مجلس الوزراء، وبناء على نظام مجلس الوزراء يختص المجلس بإصدار وتعديل الأنظمة في المملكة، وجاء المرسوم الملكي ليستثني بعض الأنظمة من اختصاص مجلس الوزراء.

وهذا ما أدى إلى فهم الاستثناء بأنه أراد أن يسمو بهذه الأنظمة إلى مرتبة الدستورية، وتكون الأنظمة الأربعة مجتمعة دستورا للدولة، وهذا ما اعتبره فهم يجانب الصواب لأسباب عدة.

أولها أن الاستثناء جاء على نظام صدر بمرسوم ملكي، وحل محله نظام مجلس الوزراء الصادر بأمر ملكي، وهناك نلاحظ اختلاف الوسيلة النظامية فالنظام سابقا كان صادرا عن طريق مرسوم ملكي، بينما النظام الحالي لمجلس الوزراء صادر بأمر ملكي.

ثانيا، إن الاستثناء وان كان جاء وفقا لنظام حل محله نظام آخر، إلا أن الملاحظ بأن الاستثناء جاء في اطار اختصاص مجلس الوزراء، ولسبب أن الانظمة صدرت بأمر ملكي ومن البديهي انه لا يمكن تعديلها وفقا لمجلس الوزراء، لأن الأنظمة الأربعة حصنت نفسها ومنحت نفسها السمو الشكلي في نهاية كل نظام ونصت على عدم جواز تعديلها أو إلغاؤها إلا بالطريقة التي صدرت بها، وكما هو مبين أنها صدرت بأمر ملكي فهي خارجة عن اختصاص مجلس الوزراء.

ثالثا، أن الاستثناء لا يمكن أن نعتمد عليه لاعتبار بعض الانظمة في مرتبة دستورية، لأن نظام هيئة البيعة لم يشمل بالاستثناء، وهو صادر بأمر ملكي، ومنح نفسه السمو الشكلي، ويعتبر من المواضيع التي تدخل في المجال الدستوري ولم يتم يشمل بالاستثناء، وهذا ما يقلل أهمية الاستثناء عند الحديث في الاطار الدستوري.

رابعا، أن أهمية بعض الأنظمة جاءت من خلال آلية صدورها كالأنظمة الأربعة التي صدرت بأمر ملكي ولا يمكن تعديلها أو إلغاؤها إلا بأمر ملكي، ومن جهة أخرى نلاحظ أن نظام مجلس الأمن الوطني تم حظر تعديله خلال حكم المجلس المؤقت وفقا للمادة العاشرة من نظام هيئة البيعة، وخلال هذه المدة لا يجوز تعديل الأنظمة الأربعة بالإضافة إلى نظام مجلس الأمن الوطني على الرغم من انه صدر بمرسوم ملكي وليس أمر ملكي.

ومن جهة أخرى جاءت المادة العاشرة من نظام هيئة البيعة بذكر هذه الأنظمة على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر، وفتحت المجال لأي نظام يتعلق بالحكم ولو كان صادرا بمرسوم ملكي، مما يعني سمو مؤقت لهذه الأنظمة ولكن في كل الأحوال لا يمكن أن نعتبره جزء من الدستور في الدولة.

ومن جهة أخرى هذا يبين أن السمو الشكلي وحدة لا يكفي لمنح النظام الصفة الدستورية، وهذا ما يؤكد المعيار الموضوعي لمفهوم الدستور، وذلك يتبين من خلال السمو الموضوعي الذي يتميز به الدستور بطبيعته، بعكس السمو الشكلي الذي يجب أن يكون بنص محدد، وعليه يكون السمو الموضوعي يولد بطبيعته مع القاعدة الدستورية، لذلك نجد بعض الدساتير جامدة بسبب السمو الشكلي، وبعضها مرن وسهل تعديلها، ومع ذلك تعتبردساتير للسمو الموضوعي لقواعد الدستور هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن السمو الشكلي الذي تتمتع به بعض الأنظمة أمر متوقع في الأنظمة المقارنة والدول الأخرى، فهناك ما يسمى بالقوانين العضوية أو الأساسية وهي تأتي مكملة للدستور ولكنها لا تعتبر دستور بأي حال من الأحوال، وقيمتها أقل من الدستور وأعلى من القانون العادي.

لذلك فالأمر في المملكة يكون بأن النظام الأساسي هو أول الهرم النظامي ويليه النظام العضوي إن صح التعبير ويليه النظام العادي وهذا معمول به في الدول الأخرى ولا يسبب إشكالية دستورية.

وإذا اتفقنا بأن السمو الموضوعي هو ما يميز النظام الأساسي عن الأنظمة الأخرى في المملكة، وفي ذات الوقت نجد أن بعض الأنظمة تنظم مواضيع دستورية مثل السلطات العامة في الدولة والتي ينظمها نظام مجلس الوزراء ونظام مجلس الشورى، وكذلك موضوع الحكم في الدولة والتي تتم وفقا لنظام هيئة البيعة، فما هو السمو الموضوعي الذي يتميز به النظام الأساسي للحكم؟

إن الإجابة على هذا التساؤل لا يسبب أي إشكالية من اعتبار النظام الأساسي دستورا للدولة وذلك لأن النظام الأساسي للحكم هو من ينشئ السلطات، والأنظمة الأخرى تصدر وفقا لهذا النظام ولا يجوز أن تخالفه.

ولو اتخذنا نظام مجلس الوزراء مثالا، نجد أن هذا النظام ينظم السلطة التنفيذية بالدولة، ولكن النظام الأساسي هو من أوجد هذه السلطة، ويقتصر نظام مجلس الوزراء بتنظيمها فقط، وهذا ما يتضح من خلال المادة (56) من النظام الأساسي التي تنص على : ( ويعدل نظام مجلس الوزراء واختصاصاته، وفقا لهذا النظام ) وهذا يوضح مرجعية النظام الأساسي وسموه على جميع الأنظمة، وعليه لا يمكن لأي نظام آخر أن يوجد سلطة لم يذكرها النظام الأساسي للحكم.

وتأسيسا على ما سبق أعتبر أن النظام الأساسي للحكم يعتبر دستورا للدولة بالمعنى القانوني وفقا لمبادئ القانون الدستوري، والأنظمة التي تتمتع بسمو شكلي دائم تعتبر أنظمة عضوية تكتسب قيمة أقل من الدستور وتعلو على الأنظمة العادية.

الأحد، يناير 23، 2011

الدستور السعودي 1-2

ينظر المجتمع الدولي إلى الدول من خلال دساتيرها، فالدستور أهم وثيقة في الدولة لأنه يضع حجر الأساس لسلطات الدولة ويبين شكلها واختصاص كل سلطة، والتجربة في المملكة العربية السعودية لا تختلف عن الدول الأخرى من حيث وجود تسلسل نظامي للأنظمة في النظام السعودي.

وثار الجدل حول النظام الأساسي للحكم باعتباره النظام الأول وحجر الأساس لدينا، فالبعض يشكك في وجوده كدستور للمملكة العربية السعودية، وآخرون يشركون معه بعض الأنظمة لما لها من أهمية في تنظيم الحكم مثل نظام هيئة البيعة أو نظام مجلس الوزراء.

ولحسم المسألة والخلاف بين أحقية النظام الأساسي كدستور يجب أن نرجع لعلم القانون الدستوري وهو وحده من يبين لنا ما هو الدستور؟ وما هي خصائصه؟ وما الذي يميزه عن غيره من الأنظمة في المملكة؟ وعلم القانون الدستوري يعتبر المعيار الوحيد لتمييز الدستور عن غيره.

وعلى أثر ذلك رغبت في تقديم دراسة مختصرة وموجزة بعد طرح هذه التساؤلات على علم القانون الدستوري ومبادئه وفقهاؤه.

ما هو الدستور ؟

إن مدلول القانون الدستوري منذ ظهوره مر بمراحل عديدة وعلى أثر هذه المراحل تأثرت مفاهيمه بتأثر الفقهاء بالظروف المحيطة أو بالمبادئ التي يعتنقونها، كالمدلول التاريخي الذي يشترط تنظيم القواعد الدستورية في نظام حر، أو المدلول الشكلي الذي يقتصر على القواعد المكتوبة في الوثيقة الدستورية.

ويكاد يجمع الفقه الدستوري بأن المدلول الموضوعي للقانون الدستوري هو الراجح، والمدلول الموضوعي يسلط الضوء على موضوعات بعينها يجب أن تكون في إطار الوثيقة الدستورية.

وإذا استقر المفهوم الموضوعي للقانون الدستوري بمواضيعه، فالخلاف ينصب على أهمية موضوع دون آخر، فبعض المواضيع تعتبر ذات أهمية دستورية وتنظم بقانون عادي ( وهو ما يسمى النظام في السعودية ) كالانتخاب على سبيل المثال. فالفقه يختلف في ترتيب المواضيع بل يختلف في ترتيب الأسس الرئيسية، ولكن على الأغلب في هذا العصر أن المفهوم الدستوري الصحيح يجب أن يشمل

أولا : شكل الدولة وآلية انتقال الحكم فيها كالنظام الجمهوري أو الملكي، ثانيا : السلطات في الدولة : والتي تتكون من ثلاث سلطات ( القضائية – التشريعية – التنفيذية ) ويبين حدود كل منها. ثالثا : الحقوق والحريات العامة للأفراد : لأننا نعتبر أن الدستور أهم وثيقة فيجب وضع أهم المبادئ الأساسية لحرية الأفراد والمبادئ الرئيسية كحق التقاضي والعمل والتنقل وغيرها من الحقوق الأساسية للفرد.

الدستور في المملكة العربية السعودية

إذا علمنا بأن الدستور ينظم أهم المواضيع في الدولة والتي حصرناها بشكل الدولة والسلطات العامة والحقوق والحريات العامة للأفراد، وبعد عرض هذه المواضيع الثلاثة على الأنظمة في السعودية، فالنظام الأساسي للحكم ينفرد بذكرها ابتداء كما سنرى.

فالدستور لا ينظم جميع المسائل فهو يكتفي بوضع الخطوط العريضة ويحيل تنظيمها إلى القوانين، والقوانين بدورها تنظم المحال إليها من الدستور وفقا لضوابط الدستور فهو المعيار لتحديد الخطأ من الصواب فإذا كان خطأ يكون في دائرة ( عدم الدستورية ) ويجب إلغاؤه أو الامتناع عن تطبيقه بحسب الآلية المتبعة في الدستور

ولتوضيح صور أهم المواضيع الدستورية التي نظمها النظام الأساسي للحكم نذكرها بشكل مختصر:-

شكل الدولة : تم تنظيم شكل الدولة وآلية انتقال الحكم فيها في المواد 5-6-7-8 من الباب الثاني في النظام الأساسي للحكم، ولم نجد أي نظام آخر يحدد هذا التنظيم مما يعزز انفراد النظام الأساسي للحكم وسموه على جميع الأنظمة في المملكة.

ووجود مثل هذا التنظيم يصبغ الشرعية على تصرفات الحاكم وانتقال الحكم، فالأمر الملكي أو المرسوم الملكي لا يستقيم وينفذ إلا بعد صدوره من الحاكم، وشرعية الحاكم محصورة في النظام الأساسي للحكم.

وما يعزز هذا الرأي أن نظام هيئة البيعة صدر وأصبح نافذا بعد النظام الأساسي للحكم بمدة تقارب الخمسة عشر عاما، وتم تعديل الفقرة (ج) من المادة الخامسة في النظام الأساسي للحكم حتى يتوافق نظام هيئة البيعة مع النظام الأساسي للحكم.

ومرد هذا التعديل هو منع التعارض بين النظام الأساسي للحكم ونظام هيئة البيعة مما يعزز تمسكنا بأن النظام الأساسي للحكم هو الدستور للمملكة.

السلطات العامة في الدولة:أنشأ النظام الأساسي للحكم سلطات الدولة في الباب السادس من النظام الأساسي للحكم

ونصت المادة الرابعة والأربعون بأن سلطات الدولة هي السلطة القضائية – السلطة التنفيذية – السلطة التنظيمية

فإذا كان النظام الأساسي للحكم انفرد بتحديد سلطات الدولة وهو من أنشأ السلطات ابتداء، والأنظمة الأخرى نظمت عمل السلطات بعد إحالة تنظيمها من النظام الأساسي للحكم إلى الأنظمة الأخرى، لهذا لا يصح مساواة هذه الأنظمة بالنظام الأساسي للحكم وان كانت تنظم أهم الموضوعات الدستورية ولكن أساس تنظيمها مستمد من النظام الأساسي للحكم، بمعنى لا يجوز لأي نظام خلق سلطة جديدة وتنظيمها

وهذا ما يميز القاعدة الدستورية عن القواعد القانونية الأخرى فهي تمتاز بأساسيتها عن سائر القواعد القانونية في الدولة، والميزة الأخرى أنها القاعدة الأصيلة والمرجع للقواعد القانونية الأخرى

الحقوق والحريات العامة للأفراد : جاء في الباب الخامس في مواده ( 23-43) أهم الحقوق والواجبات التي تقع على عاتق الدولة، كحماية العقيدة الإسلامية وتطبيقها، إعمار الحرمين الشريفين، والواجبات التي تقدمها للأفراد كحرمة المسكن وحق العمل.

وتعتبر هذه الحقوق والحريات هي الحد الأدنى التي وضعها النظام الأساسي للحكم، فهو لم ينظمها وانما اكتفى بذكرها وتكريسها، واحال تنظيمها إلى الأنظمة في الدولة، وعلى الأنظمة ان تحافظ على الحقوق الأساسية ولا تخالف ما نص عليه النظام الأساسي للحكم.

ويبقى الشي الوحيد والذي يميز القواعد الدستورية المنظمة للحقوق والحريات أنها عادة تأتي بالغموض وهذا ما يغضب رجال الحريات عادة، ويطالبون بتحديد النص وتوضيحه، ولكن الحقيقة أن غموض النص يعتبر ميزة لا عيب في النص الدستوري المنظم للحقوق والحريات، وذلك لأن الغموض يعني الاتساع دائما والشمول، بمعنى أن النص يستجيب لتطورات المجتمع وحقوقه وتبدل مفاهيمة، أما في حالة التوضيح والتحديد فإنه يعني التحديد والحصر والاكتفاء بها هو مكتوب، وللإضلافة نحتاج إلى التعديل الدستوري الذي قد يكون من الصعب تحقيقة خصوصا إذا كان الدستور جامدا. ومن ثم تأتي عملية تطبيق النص بالشكل الصحيح، فإذا كان العيب في التطبيق يجب تعديل عقلية من يطبق النص فقط.

وإذا كان النظام الأساسي للحكم تجتمع فيه المواضيع الدستورية والتي تميزه عن سائر الأنظمة في الدولة فما هي العقبات التي تمنع أو تشكك في وجوده كدستور للدولة؟